السعيد شنوقة

306

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

بخلافه كقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 60 ] ؛ روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا ، فإذا هي أمثال الحيات قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضا « 1 » . والواقع أن المعتزلة عامّتهم قد رفضوا التصورات المتعلقة بالسحر والجن والشياطين وشككوا فيها ، ولكن رفضهم وتشكيكهم لم يرق إلى حدّ المسائل المذهبية الحاسمة كما ذكر جولد زيهر « 2 » . وبالنسبة إلى السحر « 3 » ذهب بعض المعتزلة والزمخشري منهم أنه تخييل لا حقيقة له رغم كثرة الأحاديث النبوية الشريفة ذات السند القوي « 4 » التي تذكر تأثير السحر على النبي نفسه صلى اللّه عليه وسلم ناهيك أن الآيات الكريمة الدالة بالقوة على ذلك ساطعة مشرقة مثل سورة الفلق : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ [ الفلق : 4 ] ، وقول المعتزلة أن السحر تخييل لا حقيقة له بصورة عامة غير مصيب بل منه ما هو تخييل ومنه ما له حقيقة . وقد استدلوا على أنه تخييل بالاعتماد على نص القرآن الكريم : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 60 ] لم يقل على الحقيقة ، وإنما قال يخيل إليه ، ومعهم « 5 » في نفي حقيقتهم أبو إسحاق الأسترآباذي من أصحاب الشافعي . بينما ذهب السنيون إلى أنه ثابت ، وله حقيقة لكنهم لا ينكرون أن التخييل من جملة السحر ، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوّزها العقل ، وورد بها السمع منها : أن القرآن الكريم ذكر السحر وذكر تعليمه ، فلو لم يكن حقيقة لم

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 103 . ( 2 ) انظر مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 166 . ( 3 ) لغة : ما خفي ولطف سببه . جاء في الحديث : « إن من البيان لسحرا » . وسمي السحور سحورا لأنه يقع خفيا آخر الليل . ومنه قوله تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ( الآية ) أي أخفوا عنهم علمهم . ولما كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدونه ؛ لذا جاء في الحديث : " ومن سحر فقد أشرك " وهو محرم في جميع أديان الرسل عليهم السلام . قال الله تعالى : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [ طه : 69 ] . انظر سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، شرح كتاب التوحيد ، ص 333 - 334 . ( 4 ) انظر صحيح البخاري الحديث رقم 4222 : طرف الحديث ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ) والحديث رقم ، 4426 وسنن النسائي رقم 4012 : طرف الحديث : ( إن رجلا من اليهود سحرك عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا ) . وسنن ابن ماجة الحديث رقم ، 190 ومسند أحمد ، الحديث رقم ، 18467 والحديث رقم 23104 : طرف الحديث ( سحر النبي فيخيل إليه أنه قد صنع شيئا ولم يصنعه ) . ( 5 ) نظر تفسير القرطبي ، ج 2 ، ص 46 . والسيوطي ، الدر المنثور ، ج 1 ، ص 233 - 234 .